ابن بسام

128

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الدهر ولو انتحاه من خطوبه بمعول ، وأنحى عليه بجران وكلكل ، واللّه يصل ما بيننا بالدوام والثبات ، ويحرسه من الانصرام والانبتات . / وله من أخرى [ 1 ] : لئن ضنّت الأيام بالمرغوب ، ولوتنا في نيل المطلوب ، فلا ضير ، فلسنا نعلم أيّ القسمين أرجح فنتأسف على تركه ، وأيّ الحظين أربح فننتظم في سلكه ، وحقّ لمن نظر بعين الفكر أن لا يبالي بحالة تعترض ، أو عزيمة تنتقض ، أو حبل يرث ، أو شعب ينتكث ، فربما كان الإعراض احكاما ، وأصبح الانتقاض إبراما ، والهجران وصالا ، وظلّ النقصان كمالا ، واللّه وليّ السلامة ، في الظعن والإقامة . ووافاني كتابك العزيز ، فأوّل ما سرّحت طرفي في مسطوره ، وأعملت فكري في منثوره ، استطار الركاب فرحا ، وعادت الغمرات مرحا ، ثم أنشدت ورددت : أهمّ بشيء والليالي كأنّها * تطاردني عن كونه وأطارد [ 2 ] بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد وعسى اللّه أن يعيد عهدا تجري فيه السوانح ، وتسقط به البوارح ، فيصفو جمام ، وينقطع هيام ، ويسلّ حسام ، ويحمد مقام . وله من أخرى إلى المنصور بن أبي عامر [ 3 ] : إني - أيّد اللّه الملك الكريم - لما أضاءت لي أهلّة مفاخره في سماء الفخار ، وأشرقت شموس مكارمه على مفارق الأحرار ، وأبصرت شمائله الزّهر تثير من الهمم كامنها ، ومحاسنه الغرّ توقظ من الآمال نائمها ، تيقنت أن بحقّ انقادت له القلوب في أعنّتها ، وتهادت إليه النفوس بأزمّتها ، فآليت أن لا ألمّ إلّا بحماه ، ولا أحطّ رحلا [ 45 أ ] إلّا في ذراه ، علما بأنه نثرة الفخر ، وغرّة / الدهر ، فيمّمت ساريا في طالع نوره ، متيمنا بيمن طائره ، بأمل متحقّق الربح ، موقن [ بالفلج و ] النّجح ، حتى حللت بدرجة [ 4 ] المجد ، وأنخت بذروة [ 5 ] السّعد ، فجعلت أنثر من جواهر الكلام ، ما يربي على جواهر النظام ، وأنثر من عطر الثناء ، ما

--> [ 1 ] لم ترد هذه الرسالة في ط د س . [ 2 ] البيتان للمتنبي ، وهما متباعدان في موضعيهما من القصيدة ، انظر ديوانه : 310 ، 313 . [ 3 ] وردت هذه الرسالة في نفح الطيب 1 : 597 ، وهي مبنية على الخطاب لا على الغيبة . [ 4 ] النفح : في دوحة . [ 5 ] النفح : بدولة .